البنوك التشاركية في المغرب: بين الفهم الشرعي والواقع الاقتصادي
البنوك التشاركية في المغرب: كل ما تحتاج معرفته عن البديل المالي
شهد المشهد المالي تحولاً جذرياً مع انطلاق البنوك التشاركية في المغرب رسمياً عام 2017، وهي التجربة التي جاءت استجابة لطلب مجتمعي طويل الأمد يعود لفترة الثمانينيات. ورغم مرور سنوات على هذه التجربة، لا يزال النقاش محتدماً في الأوساط المغربية والعربية حول ماهية هذه البنوك، ومدى التزامها بالضوابط الشرعية، والفرق الجوهري بينها وبين البنوك التقليدية.
1. لماذا “تشاركية” وليست “إسلامية”؟
أول ما يتبادر إلى الذهن هو التسمية. لماذا اختار المشرع المغربي (مثل بنك المغرب) مصطلح “البنوك التشاركية” بدلاً من “البنوك الإسلامية”؟
فلو سميت “إسلامية” وحدث أي خلل في التدبير أو إفلاس، قد يربط العامة الفشل بالإسلام ذاته ونظامه الاقتصادي، بينما الواقع أن الفشل قد يكون نتاج سوء إدارة أو ظروف سوقية. لذا، فإن تسمية “تشاركية” تحيل على طبيعة العقود (المشاركة في الغرم والغنم) وتحمي القدسية الدينية من تقلبات السوق.
2. جدلية الربح والربا: هل هما وجهان لعملة واحدة؟
من أكثر الانتقادات شيوعاً هو القول: “البنك التشاركي يربح مثله مثل البنك التقليدي، بل أحياناً يكون هامش ربحه أعلى، إذن لا فرق”. هنا يجب التمييز بين مفهومين جوهريين:
البنك التقليدي
يتاجر في “الديون”. هو يقرضك مالاً لترده مالاً مع زيادة (فائدة). المال هنا هو السلعة، وهذا هو جوهر الربا المحرم.
البنك التشاركي
يتاجر في “الأصول”. هو لا يقرضك مالاً، بل يشتري السلعة (منزل، سيارة) ويتملكها، ثم يبيعها لك بربح معلوم (مرابحة).
القاعدة الفقهية تقول: “أحل الله البيع وحرم الربا”. فمجرد وجود الربح لا يعني الحرمة، فالتاجر يربح، والبقال يربح. العبرة في “الطريقة” التي تحقق بها هذا الربح. البنك التشاركي يتحمل مخاطرة تملك السلعة وضمانها قبل بيعها للعميل.
3. إشكالية “غرامات التأخير” والديون
في البنوك التقليدية، إذا تأخر العميل عن السداد، تُفرض عليه فوائد مركبة تزيد من أصل الدين، وهو ما يغرق المقترض في ديون لا تنتهي. أما في المؤسسات التشاركية، فإن الدين لا يزيد مع الزمن أبداً.
“هذه الجزاءات لا تدخل في أرباح البنك ولا يجوز له تملكها، بل تُصرف في وجوه الخير تحت رقابة الهيئة الشرعية.”
ولمنع المماطلة من قبل العملاء القادرين على السداد، تفرض البنوك التشاركية “جزاءات تأخير”. الفرق الجوهري هو أن هذه المبالغ تذهب للصدقات، والهدف منها هو الردع وليس الاسترباح.
4. عقد “المرابحة للآمر بالشراء”
تعتمد البنوك التشاركية حالياً بشكل كبير على عقد “المرابحة”. يمر العقد بمرحلتين ضروريتين لصحته شرعاً:
- 1 مرحلة التملك: يشتري البنك العقار أو السلعة من البائع الأصلي وتدخل في ضمانه.
- 2 مرحلة البيع: يبيع البنك السلعة للعميل بالتقسيط بهامش ربح متفق عليه.
تم اعتماد “الوعد الملزم” بالشراء لحماية المؤسسة المالية من المخاطر العالية، حيث إن البنك يشتري السلعة خصيصاً للعميل، مع وجود ضوابط تمنع البنك من بيع ما لا يملك.
5. لماذا التكلفة مرتفعة أحياناً؟
حداثة التجربة
البنوك التقليدية راكمت رؤوس أموال لقرون، بينما البنوك التشاركية وليدة سنوات قليلة.
محدودية السيولة
لا يمكنها الاقتراض من البنك المركزي بالفائدة، بل تعتمد على ودائع الاستثمار المحدودة.
6. الودائع الاستثمارية: بديل حسابات التوفير
تقدم البنوك التشاركية بديلاً لحسابات التوفير الربوية عبر “الودائع الاستثمارية”. في هذا النظام، يضع العميل ماله في البنك كـ “رأس مال” في مضاربة. يقوم البنك باستثمار هذه الأموال في مشاريع حلال، ويتم اقتسام الأرباح (أو الخسائر) بين البنك والعميل، مما يجعل العميل مستثمراً حقيقياً.
خاتمة: مستقبل المالية التشاركية
إن تجربة البنوك التشاركية في المغرب، ورغم التحديات التي تواجهها والحاجة المستمرة لتطوير منتجاتها، تمثل خطوة مهمة نحو تنويع العرض المالي وتلبية حاجات شريحة واسعة من المواطنين. الحكم على هذه التجربة يجب أن ينطلق من فهم آلياتها الداخلية وضوابطها الشرعية، بعيداً عن المقارنات السطحية.