تفكيك منظومة البنوك التشاركية في المغرب:بين المفهوم الشرعي والتحديات الواقعية
تفكيك منظومة البنوك التشاركية في المغرب:
بين المفهوم الشرعي والتحديات الواقعية
إليك مقال مفصل وشامل تم إعداده استناداً إلى محتوى سلسلة “تفكيك” التي جمعت الدكتور محمد طلال لحلو مع الأستاذ المهدي الشاوي، حول موضوع البنوك التشاركية في المغرب.
تعتبر تجربة “البنوك التشاركية” في المغرب حديثة العهد نسبياً، حيث انطلقت فعلياً في عام 2017، مما أثار جدلاً واسعاً ونقاشات مستفيضة داخل المجتمع المغربي. وفي سلسلة حلقات بودكاست “تفكيك”، استضاف الأستاذ المهدي الشاوي الخبير في المالية الإسلامية الدكتور محمد طلال لحلو، لتسليط الضوء على هذه التجربة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ومناقشة التحديات التي تواجه هذا القطاع. يستعرض هذا المقال أبرز المحاور التي تم تناولها في هذه السلسلة.
أولاً: التسمية والمفهوم.. لماذا “تشاركية” وليست “إسلامية”؟
أوضح الدكتور لحلو أن تسمية “البنوك التشاركية” جاءت كخيار قانوني وتنظيمي في المغرب، رغم أن الكثير من المتخصصين – وهو منهم – كانوا يفضلون تسمية “المصارف الإسلامية”. ومع ذلك، أشار الدكتور إلى أن التسمية الحالية قد تكون موفقة لتفادي إلصاق أي فشل إداري أو تجاري محتمل بـ “الإسلام” كدين.
وأكد الدكتور أن هذه المؤسسات هي شركات تجارية وليست جمعيات خيرية. فالكثير من الناس يتوقعون أن تمنحهم هذه البنوك “القرض الحسن” (بدون زيادة)، وهذا تصور خاطئ لطبيعة عمل المصارف التي لديها موظفون وتكاليف تشغيلية ومساهمون ينتظرون أرباحاً. الفرق الجوهري يكمن في “كيفية” تحقيق هذا الربح؛ هل هو ناتج عن عملية تجارية (بيع وشراء) أم عن عملية ربوية (قرض بفائدة).
ثانياً: إشكالية “الغلاء” ومقارنة الربح بالربا
من أكثر الشبهات شيوعاً هي مقولة: “البنوك التشاركية أغلى من البنوك التقليدية، إذاً البنوك التقليدية أرحم”. رد الدكتور طلال لحلو على هذا الطرح بمثال بليغ قائلاً: “إن بائع الخمر قد يربح أكثر ويبيع بسعر أرخص من بائع عصير البرتقال، لكن هذا لا يجعل الخمر حلالاً”.
الضابط في المعاملات المالية للمسلم هو الحلال والحرام وليس الأرخص والأغلى. البنوك الربوية تعتمد على الإقراض بفائدة، وهو “الربا” المحرم شرعاً، بينما البنوك التشاركية تعتمد (في عقود المرابحة مثلاً) على شراء السلعة وتملكها ثم إعادة بيعها للزبون بربح معلوم.
وعن سبب ارتفاع التكلفة أحياناً، عزا الدكتور ذلك إلى:
- حداثة التجربة: البنوك التقليدية راكمت أرباحاً ورؤوس أموال ضخمة عبر عقود (منذ أكثر من 100 سنة)، بينما البنوك التشاركية لا تزال في مرحلة التأسيس وتتحمل تكاليف تشغيلية عالية.
- تكلفة الأموال: البنوك التشاركية لا تزال في طور بناء قاعدتها الرأسمالية ومصادر تمويلها.
ثالثاً: طهارة الأموال والشبهات المثارة
طُرح تساؤل حول مصدر أموال البنوك التشاركية، وهل هي أموال “ربوية” قادمة من البنوك الأم؟ أوضح الدكتور لحلو نقطة محاسبية هامة، وهي أن رأس مال البنك (الذي قد يأتي من بنك تقليدي) لا يمثل سوى 10% تقريباً من أموال المصرف، بينما 90% هي ودائع الناس. وبما أن هذه الأموال “مختلطة” وتخضع لرقابة المجلس العلمي الأعلى الذي أجاز التعامل بها، فإن الأصل فيها الحل، خاصة وأن الهدف هو إنشاء بديل شرعي ينمو ليستقل بذاته.
رابعاً: العقود والآليات (المرابحة، الوعد الملزم، وهامش الجدية)
تطرق النقاش إلى تفاصيل عقد “المرابحة للآمر بالشراء”، وهو المنتج الأكثر شيوعاً حالياً:
-
1
الوعد الملزم: أشار الدكتور إلى الخلاف الفقهي حول إلزامية الوعد، موضحاً أن الأخذ بالوعد الملزم في المغرب جاء لضمان استقرار المعاملات البنكية وحماية المصرف من تراجع الزبون بعد شراء السلعة.
-
2
هامش الجدية: هو مبلغ يضعه الزبون لإثبات جديته في الشراء. وأكد الدكتور أن هذا المبلغ لا تتصرف فيه البنوك قبل إتمام العقد.
-
3
غرامات التأخير: في البنوك التشاركية، إذا تأخر الزبون عن السداد تُفرض عليه غرامة تذهب لصناديق الأعمال الخيرية، لقطع الطريق على شبهة “ربا النسيئة”.
خامساً: غياب “المشاركة” و”المضاربة”.. أين الخلل؟
يتساءل الكثيرون لماذا تقتصر البنوك التشاركية على “المرابحة” وتغيب عقود “المشاركة” و”المضاربة” التي تعتبر جوهر الاقتصاد الإسلامي. أجاب الدكتور لحلو بأن هذه العقود هي عقود أمانة، وتتطلب بيئة أعمال تتسم بالشفافية والصدق. ونظراً لانتشار التهرب الضريبي وعدم الشفافية، فإن البنوك تتخوف من الدخول في شراكات قد تؤدي إلى ضياع أموال المودعين.
سادساً: الرقابة الشرعية ودور المجلس العلمي الأعلى
أكد الدكتور طلال لحلو أن ما يميز التجربة المغربية هو مركزية الفتوى والرقابة. فالبنوك التشاركية لا تفتي لنفسها، بل تخضع لرقابة صارمة من المجلس العلمي الأعلى. هذا يضمن عدم تلاعب البنوك بالعقود أو تحويلها إلى حيل ربوية.